أحمد بن محمد القسطلاني

324

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الذي ينزل بأمره ونهيه . وقد حكى ابن فورك : أن بعض المشايخ ضبطه بضم الياء من : ينزل . قال القرطبي : وكذا قيده بعضهم ، فيكون معدّى إلى مفعول محذوف ، أي : ينزل الله ملكًا . قال : ويدل له رواية النسائي : إن الله عز وجل يمهل حتى شطر الليل الأول ، ثم يأمر مناديًا يقول : هل من داع فيستجاب له الحديث . وبهذا يرتفع الإشكال . قال الزركشي : لكن روى ابن حبان في صحيحه " ينزل الله إلى السماء فيقول لا أسأل عن عبادي غيري " . وأجاب عنه في المصابيح بأنه لا يلزم من إنزاله الملك أن يسأله عما صنع العباد ، ويجوز أن يكون الملك مأمورًا بالمناداة ، ولا يسأل البتة عما كان بعدها ، فهو سبحانه وتعالى أعلم بما كان وبما يكون ، لا تخفى عليه خافية ، وقوله : تبارك وتعالى ، جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه ، وهو قوله : ( كل ليلة إلى السماء الدنيا ) لأنه لما أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة ، أتى بما يدل على التنزيه ( حين يبقى ثلث الليل الآخر ) منه ، بالرفع صفة وتخصيصه بالليل ، وبالثلث الأخير منه لأنه وقت التهجد ، وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله ، وعند ذلك تكون النية خالصة والرغبة إلى الله تعالى وافرة ، وذلك مظنة القبول والإجابة . ولكن اختلفت الروايات في تعيين الوقت على ستة أقوال يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في كتاب : الدعاء نصف الليل بعون الله . ( يقول من يدعوني فأستجيب له ) بالنصب على جواب الاستفهام ، وبالرفع على تقدير مبتدأ أي : فأنا أستجيب له . وكذلك حكم : فأعطيه فأغفر له . وليست السين للطلب بل أستجيب بمعنى : أجيب ( من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له ) . وزاد حجاج بن أبي منيع ، عن جده ، عن الزهري عند الدارقطني في آخر الحديث : حتى الفجر . والثلاثة : الدعاء ، والسؤال ، والاستغفار ، أما بمعنى واحد ، فذكرها للتوكيد ، وإما لأن المطلوب لدفع المضار أو جلب المسار ، وهذا إما دنيوي أو ديني ففي الاستغفار إشارة إلى الأول ، وفي السؤال إشارة إلى الثاني ، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث . وإنما خص الله تعالى هذا الوقت بالتنزل الإلهي ، والتفضل على عباده باستجابة دعائهم ، وإعطائهم سؤلهم ، لأنه وقت غفلة واستغراق في النوم . واستلذاذ به ، ومفارقة اللذة والدعة صعب لا سيما أهل الرفاهية ، وفي زمن البرد ، وكذا أهل التعب ، ولا سيما في قصر الليل . فمن آثر القيام لمناجاة ربه والتضرع إليه مع ذلك دل على خلوص نيته وصحة رغبته فيما عند ربه تعالى . ورواة الحديث مدنيون إلا ابن مسلمة سكن البصرة ، وفيه ، التحديث والعنعنة ، وأخرجه أيضًا في : التوحيد والدعوات ، ومسلم في : الصلاة ، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة . 15 - باب مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَا آخِرَهُ وَقَالَ سَلْمَانُ لأَبِي الدَّرْدَاءِ - رضي الله عنهما - : نَمْ . فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ : قُمْ . قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « صَدَقَ سَلْمَانُ » . ( باب من نام أوّل الليل وأحيا آخره ) بالصلاة أو القراءة أو الذكر ونحوها . ( وقال سلمان ) الفارسي ( لأبي الدرداء ، رضي الله عنهما ) وفي نسخة : وقاله سلمان ، وضبب في اليونينية على الهاء ، مما وصله المؤلّف في حديث طويل ، في كتاب الأدب ، عن جحيفة لما زاده ، وأراد أن يقوم للتهجد . ( نم ) فنام ( فلما كان من آخر الليل قال ) سلمان له : ( نَمْ ) قال : فصلينا ، فقال له سلمان : إن لربك عليك حقًّا ، ولنفسك عليك حقًّا ، ولأهلك عليك حقًّا ، فأعط كل ذي حق حقه . فأتى النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فذكر له ذلك ( قال النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( صدق سلمان ) أي في جميع ما ذكر . 1146 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ - وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ قَالَ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ : " سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - : كَيْفَ صَلاَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ ؟ قَالَتْ : كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ ، وَإِلاَّ تَوَضَّأَ وَخَرَجَ " . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو الوليد ) هشام بن عبد الملك الطيالسي ، ولأبي ذر : قال أبو الوليد : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ، قال المؤلّف : ( وحدّثني ) بالإفراد ( سليمان ) بن حرب الواشحي ( قال : حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن أبي إسحاق ) عمرو بن عبد الله السبيعي ( عن الأسود ) بن يزيد ( قال ) : ( سألت عائشة ، رضي الله عنها : كيف صلاة النبي ) وللأصيلي : كيف كانت ، ولأبي الوقت : كيف كان صلاة النبي ؟ ولأبي ذر : رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالليل ) ؟ . ( قالت : كان ينام أوّله ويقوم آخره ، فيصلّي ، ثم يرجع إلى فراشه ) فإن كان به حاجة إلى الجماع جامع ، ثم ينام ( فإذا أذن المؤذن وثب ) بواو ومثلثة وموحدة مفتوحات ، أي : نهض ( فإن كان ) ولأبي ذر : فإن كانت ( به حاجة ) للجماع قضى حاجته و ( اغتسل ) فجواب الشرط محذوف ، وهو قضى حاجته كما مر ، ولفظ اغتسل يدل عليه ، وليس بجواب ( وإلا ) بأن لم يكن جامع